ابن كثير
300
البداية والنهاية
فصل فلما وصلت جوابات القوم إلى المأمون بعث إلى نائبه يمدحه على ذلك ويرد على كل فرد فرد ما قال في كتاب أرسله . وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضا فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس ، ومن لم يجب منهم فابعثه إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدا محتفظا به حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه ، ومن رأيه أن يضرب عنق من لم يقل بقوله . فعند ذلك عقد النائب ببغداد مجلسا آخر وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهدي ، وكان صاحبا لبشر بن الوليد الكندي ، وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور ، فلما امتحنهم إسحاق أجابوا كلهم مكرهين متأولين قوله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) [ النحل : 106 ] الآية . إلا أربعة وهم : أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح ، والحسن بن حماد سجادة ، وعبيد الله بن عمر القواريري . فقيدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى المأمون ، ثم استدعى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم فأجاب سجادة إلى القول بذلك فأطلق . ثم امتحنهم في اليوم الثالث فأجاب القواريري إلى ذلك فأطلق قيده . وأخر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجنديسابوري لأنهما أصرا على الامتناع من القول بذلك ، فأكد قيودهما وجمعهما في الحديد وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطرسوس ، وكتب كتابا بإرسالهما إليه . فسارا مقيدين في محارة على جمل متعادلين رضي الله عنهما . وجعل الإمام أحمد يدعو الله عز وجل أن لا يجمع بينهما وبين المأمون ، وأن لا يرياه ولا يراهما . ثم جاء كتاب المأمون إلى نائبه أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرهين متأولين قوله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) الآية . وقد أخطأوا في تأويلهم دلك خطأ كبيرا ، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين . فاستدعاهم إسحاق وألزمهم بالمسير إلى طرسوس فساروا إليها ، فلما كانوا ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا إلى الرقة ، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد . وكان أحمد بن حنبل وابن نوح قد سبقا الناس ، ولكن لم يجتمعا به . بل أهلكه الله قبل وصولهما إليه ، واستجاب الله سبحانه دعاء عبده ووليه الإمام أحمد بن حنبل ، فلم يريا المأمون ولا رآهما ، بل ردوا إلى بغداد . وسيأتي تمام ما وقع لهم من الامر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد ، وتمام باقي الكلام على ذلك في ترجمة الإمام أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومائتين وبالله المستعان . عبد الله المأمون هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد العباسي القرشي الهاشمي أبو جعفر أمير المؤمنين ، وأمه أم ولد يقال لها مراجل الباذغيسية ، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومائة ليلة توفي عمه الهادي ، وولي أبوه هارون الرشيد ، وكان ذلك ليلة الجمعة كما تقدم ، قال ابن عساكر : روى الحديث عن أبيه وهاشم بن بشر ، وأبي معاوية الضرير ، ويوسف بن قحطبة ، وعباد بن العوام ، وإسماعيل بن علية ، وحجاج بن محمد الأعور . وروى عنه أبو حذيفة إسحاق بن بشر - وهو أسن منه - ويحيى بن أكثم القاضي وابنه الفضل بن المأمون ومعمر بن شبيب وأبو يوسف القاضي وجعفر بن أبي عثمان